فخر الدين الرازي

180

تفسير الرازي

ودولة أظهر الغم الشديد بسبب فوات تلك الغنيمة ، ومثل هذه المعاملة لا يقدم عليها الانسان إلا في حق الأجنبي العدو ، لأن من أحب إنسانا فرح عند فرحه وحزن عند حزنه ، فاما إذا قلبت هذه القضية فذاك إظهار للعداوة . إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : إنه تعالى حكى عن هذا المنافق سروره وقت نكبة المسلمين ، ثم أراد أين يحكي حزنه عند دولة المسلمين بسبب أنه فاته الغنيمة ، فقبل أن يذكر هذا الكلام بتمامه ألقى في البين قوله : * ( كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ) * والمراد التعجب كأنه تعالى يقول : انظروا إلى ما يقول هذا المنافق كأنه ليس بينكم أنها المؤمنون وبينه مودة ولا مخالطة أصلا ، فهذا هو المراد من الكلام ، وهو وإن كان كلاما واقعا في البين على سبيل الاعتراض إلا أنه في غاية الحسن . قوله تعالى * ( فَلْيُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا بِالاَْخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) * . اعلم أنه تعالى لما ذم المبطئين في الجهاد عاد إلى الترغيب فيه فقال : * ( فليقاتل في سبيل الله ) * وللمفسرين في قوله : * ( يشرون الحياة الدنيا ) * وجهان : الأول : أن * ( يشرون ) * معناه يبيعون قال ابن مفرغ وشريت بردا ليتني من بعد برد كنت هامه قال : وبرد هو غلامه ، وشربته بمعنى بعته ، وتمنى الموت بعد بيعه ، فكان معنى الآية : فليقاتل في سبيل الله الذين يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة ، وهو كقوله : * ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ) * إلى قوله : * ( فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ) * . والقول الثاني : معنى قوله : * ( يشرون ) * أي يشترون قالوا : والمخاطبون بهذا الخطاب هم المنافقون الذين تخلفوا عن أحد ، وتقرير الكلام : فليقاتل الذين يختارون الحياة الدنيا على الآخرة ، وعلى هذا التقدير فلا بد من حذف تقديره : آمنوا ثم قاتلوا لاستحالة حصول الأمر بشرائع الاسلام قبل حصول الاسلام . وعندي في الآية احتمالات أخرى : أحدها : أن الانسان لما أراد أن يبذل هذه الحياة الدنيا في سبيل الله بخلت نفسه بها ، فاشتراها من نفسه بسعادة الآخرة ليقدر على بذلها في سبيل الله بطيبة النفس . وثانيها : أنه تعالى أمر بالقتال مقرونا ببيان فساد ما لأجله يترك الانسان